أبي منصور الماتريدي
223
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
أجروه على ألسنتهم من غير تحقيق ، لئلا يستوجبوا العذاب بتركهم ذلك إذا أجيبوا وأعطوا ما سألوا وتمنوا ؛ لما عرف من شدة القتال مع العدو والجهاد في سبيل اللّه ، وكراهية ذلك في كل قوم إلى أن بينوا أنهم عن حق سألوا لما تبينوا العلة التي حملتهم على ذلك ، وغاية رغبتهم فيها ، وما لأجله كان السؤال ، إن قالوا : وَما لَنا أَلَّا نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا وَأَبْنائِنا من القتل ، وأخذ الأموال وسبى الذراري . فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ ، أي : فرض ، تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ ، فيه دلالة على أنه قد كان فيهم ما كان في هذه من قوله : لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ [ الصف : 2 ] ، من كراهية القتال والجهاد في سبيل اللّه . وقيل : تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ ، وهم ثلاثمائة وثلاثة عشر نفرا لم يتولوا عما سألوا . ثم قال لهم نبيهم . قوله تعالى : وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً . قيل : سمى « طالوتا » لطوله وقوته . وقوله : قالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ . يتوجه مثل هذا الكلام وجهين : أحدهما : على الإنكار ، فلا يحمل على الإنكار ؛ لأنه كفر . والثاني : على الاسترشاد وطلب العلم لهم منه في ذلك عن جهة جعله له ملكا ، لما قد عرفوا أن لا يستوجب الملك ، ولا يولى إلا أحد رجلين : إما بالوراثة من « 1 » الآباء ، أو بالسعة في المال ، لذلك قالوا : وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ ، لأنهم كانوا أبناء الملوك وأرباب الأموال . ثم بين لهم عزّ وجل أن جهة الاختيار ليس إليهم ، وأن سبب الملك ليس ما ذكرنا دون غيره ، بل اللّه عزّ وجل يختار من يشاء لذلك بأسباب سوى ما ذكروا بفضل علم وبفضل قوة ، حيث قال : قالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ . قرر عندهم أن الملك يحتاج إلى فضل علم وفضل قوة .
--> ( 1 ) في أ : بالوارث عن .